الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
108
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
فاقطعوا أطماعكم في ذلك الخمس واقتنعوا بالأخماس الأربعة ، لأنّ الذي يتوقّف على تحقّق الإيمان باللّه وآياته هو العلم بأنّه حكم اللّه مع العمل المترتّب على ذلك العلم . مطلق العلم بأنّ الرسول قال ذلك . والشرط هنا محقق الوقوع إذ لا شك في أنّ المخاطبين مؤمنون باللّه والمقصود منه تحقّق المشروط ، وهو مضمون جملة وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ إلى آخرها . وجيء في الشرط بحرف ( إن ) التي شأن شرطها أن يكون مشكوكا في وقوعه زيادة في حثّهم على الطاعة حيث يفرض حالهم في صورة المشكوك في حصول شرطه إلهابا لهم ؛ ليبعثهم على إظهار تحقّق الشرط فيهم ، فالمعنى : أنكم آمنتم باللّه والإيمان يرشد إلى اليقين بتمام العلم والقدرة له وآمنتم بما أنزل اللّه على عبده يوم بدر حين فرق اللّه بين الحقّ والباطل فرأيتم ذلك رأي العين وارتقى إيمانكم من مرتبة حقّ اليقين إلى مرتبة عين اليقين فعلمتم أنّ اللّه أعلم بنفعكم من أنفسكم إذ يعدكم إحدى الطائفتين أنّها لكم وتودّون أنّ غير ذات الشوكة تكون لكم ، فكان ما دفعكم اللّه إليه أحفظ لمصلحتكم وأشدّ تثبيتا لقوّة دينكم . فمن رأوا ذلك وتحقّقوه فهم أحرياء بأن يعلموا أنّ ما شرع اللّه لهم من قسمة الغنائم هو المصلحة ، ولم يعبئوا بما يدخل عليهم من نقص في حظوظهم العاجلة ، علما بأنّ وراء ذلك مصالح جمة آجلة في الدنيا والآخرة . وقوله : وَما أَنْزَلْنا عطف على اسم الجلالة ، والمعنى : وآمنتم بما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان ، وهذا تخلّص للتذكير بما حصل لهم من النصر يوم بدر ، والإيمان به يجوز أن يكون الاعتقاد الجازم بحصوله ، ويجوز أن يكون العلم به ، فيكون على الوجه الثاني من استعمال المشترك في معنييه ، أو من عموم المشترك . وتخصيص ما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ بالذكر من بين جملة المعلومات الراجعة للاعتقاد ، لأن لذلك المنزل مزيد تعلق بما أمروا به من العمل المعبر عنه بالأمر بالعلم في قوله تعالى : وَاعْلَمُوا . والإنزال : هو إيصال شيء من علوّ إلى سفل ، وأطلق هنا على إبلاغ أمر من اللّه ، ومن النعم الإلهية إلى الرسول صلى اللّه عليه وسلم والمسلمين ، فيجوز أن يكون هذا المنزل من قبيل الوحي ، أي والوحي الذي أنزلناه على عبدنا يوم بدر ، لكنه الوحي المتضمّن شيئا يؤمنون به مثل قوله : وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ [ الأنفال : 7 ] . ويجوز أن يكون من قبيل خوارق العادات ، والألطاف العجيبة ، مثل إنزال الملائكة